أحمد بن محمود السيواسي
38
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الاسم بعده مبتدأ ، ويلزم خبره الفاء كقولك أما زيد فذاهب ، تريد أنه بصدد الذهاب لا محالة بخلاف زيد ذاهب ، ومعناه : مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، نص عليه سيبويه في كتابه « 1 » ، أي أما ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بالقرآن ومحمد عليه السّلام ( فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) أي المثل بالبعوضة والذباب ( الْحَقُّ ) أي الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ( مِنْ رَبِّهِمْ ) أي كائنا منه تعالى ، فيؤمنون به ، وفي ذكر « أما » في هذه الجملة إخماد عظيم لهم واعتداد بعلمهم أنه الحق ، وفي ذكرها في ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) بهما ، وهم اليهود والمشركون ( فَيَقُولُونَ ما ذا ) تعريض لعنادهم الحق ، ورمي لهم بالكلمة الحمقاء ، أي ما الذي ، ف « ذا » اسم موصول ، و « ما » اسم استفهام مرفوع المحل مبتدأ ، خبره « ذا » مع صلته أو « ذا » مع « ما » مركبة جعلتا اسما واحدا منصوب المحل في حكم « ما » وحده ، أي أيّ شيء ( أَرادَ اللَّهُ بِهذا ) أي بالمثل الخسيس ( مَثَلًا ) نصب على التمييز أو على الحال ، أي ممثلا كقوله تعالى « هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً » « 2 » ، والإرادة : القصد والطلب من غير كراهة ، وهي معنى يوجب للحي حالا يقع منه الفعل على وجه دون وجه ، فأجابهم اللّه تعالى بقوله ( يُضِلُّ ) أي يخذل ( بِهِ ) أي بالمثل ( كَثِيراً ) من الكفار بتكذيبهم به ، يعني لا يوفقهم الهدي فيزدادون ضلالا ( وَيَهْدِي ) أي يوفق ( بِهِ ) أي بالمثل ( كَثِيراً ) من المؤمنين لتصديقهم به ، فيزدادون هداية ووصفهم بالكثرة مع وصفهم بالقلة في قوله « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » « 3 » ، لأن المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة لكونهم « 4 » على الحق وكون أولئك على الباطل ( وَما يُضِلُّ بِهِ ) أي لا « 5 » يخذل بالمثل وتكذيبه ( إِلَّا الْفاسِقِينَ ) [ 26 ] أي الكافرين باللّه الخارجين عن أمره ، وقد جاء استعمال اسم الفاسق على الكافر والمسلم بارتكاب الكبيرة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 27 ] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ ) أي ينكثون ( عَهْدَ اللَّهِ ) أي الذين « 6 » عهد إليهم يوم الميثاق بقوله « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » « 7 » إن يؤمنوا بمحمد وما جاء به ، والعهد الأمر والوصية ، يعني الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم ثم نقضوه ( مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) أي تأكيده وتغليظه ( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) وهو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) بعمل المعاصي والصد عن سبيل اللّه ( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) [ 27 ] أي المغبونون بالعقوبة في الآخرة مكان المثوبة في الجنة ، قيل : « ليس من مؤمن ولا من كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في الجنة ، فان أطاعه تعالى أتى أهله وخدمه ومنزله في الجنة ، وإن عصاه ورثه اللّه المؤمنين فقد غبن عن أهله وخدمه ومنزله » « 8 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 28 ] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) ثم استفهم بالخطاب تعجيبا من كفرهم وتوبيخا لهم بعد قيام البرهان على وجوب الإيمان ، وهو تنقلهم من العدم إلى الوجود ثم إلى الموت ثم إلى الحياة يوم القيامة ثم إلى النار ، أي إلى الجنة فقال ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ ) أي تجحدون ( بِاللَّهِ ) أي بوحدانيته ، ومعكم ما يصرفكم عن الكفر إلى الإيمان ، ومحل « كَيْفَ » نصب على الحال ، أي أمعاندين تكفرون ، و « 9 » قيل : « كَيْفَ » ههنا يفيد إنكار حال الكفر ، ولا يلزم من ذلك إنكار ذات الكفر ، أجيب بأن حال الكفر لازم لذات « 10 » الكفر في الوجود ، فإذا نفي اللازم ينتفي الملزوم ، وهذا أبلغ وأقوى ،
--> ( 1 ) انظر الكشاف ، 1 / 58 . ( 2 ) الأعراف ( 7 ) ، 73 ؛ هود ( 11 ) ، 64 . ( 3 ) سبأ ( 34 ) ، 13 . ( 4 ) لكونهم ، ب س : ولكونهم ، م . ( 5 ) لا ، س م : ما ، ب . ( 6 ) الذين ، س : الذي ، ب م . ( 7 ) الأعراف ( 7 ) ، 172 . ( 8 ) قاله الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 106 . ( 9 ) و ، ب س : - م . ( 10 ) لذات ، س م : بذات ، ب .